سيرة

سيرة

سيرة

سيرة

سيرة

سيرة

حرفة الورّاقين

كنت على يقين أن الشعراء الذين فتنت بهم وأنا في المرحلة الإعدادية لم يرحلوا عن الدنيا بل هم يقيمون في أرض متوارية عن الأنظار: امرؤ القيس وعنترة وقيس المفتون بليلى وعمر بن ربيعة وصويحباته وجميل ووضّاح اليمن والمتنبي وغيرهم من الشعراء. احتموا بتلك الأرض المتخفّية المسحورة. والطريق إليها لا تدرك إلا بالتوهّم والخيال. لم أتمكن من أن أعطي الماضي فرصة  كي يمضي؛ أو لم أرغب في ذلك. هذه الأرض المتوارية ستجتذب إليها كل الذين افتتنت بهم من أمثال مصطفى لطفي المنفلوطي وجبران والشابي ونجيب محفوظ وبدر شاكر السياب ومحمود درويش وبودلير ورامبو وماياكوفسكي وت. س. إليوت وبابلو نيرودا والأخوين ماتشادو والغجري العظيم  فردريكو غارسيا لوركا الذي قاد خطايا إلى كتابة الشعر.ي

ليال طوال كنت لا يغمض لي جفن فيها وأنا أراود الشعر. لم أكن أملك المال الكافي لشراء دواوين نزار قباني وخليل حاوي وأدونيس وغيرهم، فكان أن تحولت ورّاقا. كل يوم، حال انتهاء الدروس، كنت أسير في أزقة أكلت الرطوبة والزمن كلس جدرانها وأقصد المكتبة العامة لأستعير المجموعات الشعرية وأستنسخها. كان البرد والصقيع والضباب يلفّ مدينة باجة. كنت على يقين من أنني سأصبح شاعرا، والطريق إلى الشعر كربة ووعرة. لكنني لم أصبح شاعرا.ي

تلفتّ إلى الرواية بعد ذلك وكان نجيب محفوظ طريقا ودليلا. غير أنني خذلته عندما اكتشفت أن العالم أرحب. وقعت في دائرة السحر مختارا، فوجدتني مأخوذا بكتابات دستويفسكي وتولستوي وليرمونتوف. وكانت ترجمات سامي الدروبي هي الدليل والطريق المؤدية. ثم تتالت الأسماء والتجارب: هنري باربوس، نيكوس كزانتزاكيس، جون بول سارتر، ألبير كامو، إرنست همنغواي، وليام فوكنر، شتاينباك، هنري ميلر. وكان أن جاءت الفتنة عارمة عاتية مدوخة من أمريكا اللاتينية: غارسيا ماركيز، كارلوس فوانتيس، جورج أمادو  وغيرهم. ازداد يقيني أن هؤلاء المبدعين لم يرحلوا عن الدنيا بل عبروا إلى الجهة الأخرى واختاروا الإقامة في تلك الأرض المتوارية التي لا تدرك إلا بالتوهّم والخيال.ي

الجامعة والطريق إلى النقد

دخلت الجامعة مخفورا بكل هؤلاء المبدعين رفاق الدرب. وكانت خيبة الأمل مريرة قاسية. وتلك حكاية أخرى. كنت أفضّل الجلوس في المقاهي وغيرها على الذهاب إلى المحاضرات (يومها لم يكن حضور الدروس إجباريا).ي

وهناك داخل الجلبة التي كانت تملأ المكان، تلفّتّ إلى الكتب النقدية المستحدَثة في الثقافات الغربية، وتمرّست  بنظرية الشكلانيين الروس ومقرراتهم حول شعرية النصوص وكيفيات تولّد الأدبية، وتملّيت منجزات النظريات الاجتماعية ذات المنحى الماركسي لا سيما عند كل من جورج لوكاتش ولوسيان غولدمان، والنظرية الاجتماعية التجريبية لدى روبير إسكاربيت.ي

وتمثّلت حجم الإضافات التي أنجزتها النظرية البنيوية ونظريات ما بعد البنيوية ولاسيما منجزات رولان بارت ومنجزات نظريات التحليل النفسي للأدب سواء عند فرويد أو كارل غوستاف يونغ أو غاستون باشلار وخبرت مقررات النظرية التفكيكية ومنجزات أهم أعلامها من أمثال جاك دريدا وصولا إلى نظريات جماليات التلقي لا سيما لدى كل من فولفانغ آيزر وروبرت ياوس، وصولا إلى نظرية النقد ما بعد الكولونيالي.ي

أسلافي درعي الواقية من الانبهار

كانت خيبة أملي كبيرة حين رأيت النقد العربي المعاصر يدخل بيت الطاعة ويتوغّل عميقا في دائرة السحر. فلقد امتلكت المفاهيم والمصطلحات التي ابتدعتها تلك المدارس الغربية قوّة جذب مدوّخة أوقعت في حبائلها خطاب الحداثة العربية فانبهر بها أيّما انبهار. وتلك مكائد السير على خطى الآخرين.ا

إن تاريخ المفاهيم والمقولات تاريخ متاهيّ. وهو تاريخ هجرة لا إقامة، تاريخ ترحال وعبور من ثقافة إلى أخرى. وهذا ما يمنح مقولة المثاقفة أهمّيتها وخطورتها. لذلك حين يقع الاكتفاء بترديد المصطلحات وإجرائها إجراء مدرسيّا ولا يتمّ تطويعها وتحويلها، تظلّ تلك المصطلحات ناشزة غريبة وكثيرا ما تحجب من النص المدروس أكثر ممّا تكشف.ا

أسلافي، درعي الواقية هم الذين وقّوني من الانبهار. الجاحظ وقدامة بن جعفر وابن طباطبا، وابن رشيق القيرواني والقاضي الجرجاني وعبد القاهر الجرجاني والفارابي وابن سينا وابن رشد وحازم القرطاجني كانوا رفاق درب طرحوا قدّامي جميع كنوزهم فتحوّل جسدي، تحوّل عقلي إلى ميدان تصارع بين النصوص والنظريات.ا

المغايرة والاتباع

نظرت فرأيت أن الانشغال بالتجديد والمغايرة وتجاوز المنجز الفني للنصوص الإبداعيّة والفكرية العربية القديمة صار يحتل حيّزا هامّا في الدراسات النقدية حتى صار الحديث عن «التجديد» و«الابتداء» و«المغايرة» في عداد المسلّمات والبداهات. غير أن الاحتفاء بالتجديد وإعلاءه وتفخيمه بدءا بالثلاثينات مع التحديث الرومانسي وصولا إلى اليوم يظلّ يثير أكثر من إشكال، سواء في ما يخصّ منجزات حركة التّحديث أو في ما يتعلّق بكيفيّات إجراء القراءة النقدية. لاسيما أن تجديد أسئلة النقد مسألة لا تعني الإحاطة بأسئلة الإبداع فحسب، بقدر ما تخص كيفيّات تجديد لغة النقد نفسها. وتجديد تلك اللغة مشروط، هو الآخر، بمدى قدرة الخطاب النقدي على توليد المفاهيم والمصطلحات التي تحيط بالظاهرة المدروسة وقدرته على تمثّل خبايا ما يستقدمه منها، سواء من نظريّة العرب القدامى في الأدب والشعريّة، أو من المقررات النظريّة المستحدثة في الثقافات الغربيّة.ا

إن القراءة النقدية التي تنشد الإسهام في الإحاطة بأسئلة الأدب العربي لا يمكن أن تقي نفسها من التّبسيط والمغالطة إلا متى تمكّنت من الوقوف عند الأسئلة المركزية التي تولّدت عن حركات التحديث بالنظر في مجمل الأدب العربي القديم والمعاصر. ذلك أن تأصيل الفكر النقدي غاية لا يمكن أن تطال بإعادة إنتاج الأسئلة التي تمكّن المنظّرون العرب القدامى من صياغتها لحظة قراءتهم للنصوص، بل بتمثّلها ومفارقتها.ا

ليس التأصيل مجرّد انشداد إلى النظريّة القديمة، وليس مجرّد إعادة إنتاج لمنجزات السّلف. إنه حركة تنشدّ إلى نظريّة العرب القدامى في الأدب والشعرية لا لتكتفي بها، بل تنشدّ إليها لتفتحها على ممكناتها ومحتملاتها. وهو بحث في الماضي عمّا كان ممكن الحدوث ولم يحدث لمنحه فرصة التحقّق. وما لم يتمكّن المنظّرون العرب القدامى من إرسائه أو من التفكير فيه يمكن الشروع في إنجازه بالنظر في النصوص المعاصرة وفي كيفيّات تعاملها مع قديمها وماضيها. لا سيّما أن النص المعاصر إنما يوهم في الظاهر بأنه يتخطّى القديم ويتجاوزه فيما هو يفتتح مجراه ويتنامى مغتذيا بأسرار قوّة ذلك القديم متفنّنا في استلهام منجزه الفنّي.ا

عودٌ على بدءٍ

الأرض التي حدّثت عنها، الأرض المتوارية عن كل الأبصار واحتمى بها المفكرون والمبدعون من كل الأصقاع والأمصار، تلك الأرض مازالت هشة طرية مشتهاة. وطوبى لقاطنيها، طوبى لمن يحظى بشرف الانتماء إليها. إنها موطن حماة القيم، موطن المنتصرين للكرامة البشرية المنتهكة في كل الأزمان.ا

حرفة الورّاقين

كنت على يقين أن الشعراء الذين فتنت بهم وأنا في المرحلة الإعدادية لم يرحلوا عن الدنيا بل هم يقيمون في أرض متوارية عن الأنظار: امرؤ القيس وعنترة وقيس المفتون بليلى وعمر بن ربيعة وصويحباته وجميل ووضّاح اليمن والمتنبي وغيرهم من الشعراء. احتموا بتلك الأرض المتخفّية المسحورة. والطريق إليها لا تدرك إلا بالتوهّم والخيال. لم أتمكن من أن أعطي الماضي فرصة  كي يمضي؛ أو لم أرغب في ذلك. هذه الأرض المتوارية ستجتذب إليها كل الذين افتتنت بهم من أمثال مصطفى لطفي المنفلوطي وجبران والشابي ونجيب محفوظ وبدر شاكر السياب ومحمود درويش وبودلير ورامبو وماياكوفسكي وت. س. إليوت وبابلو نيرودا والأخوين ماتشادو والغجري العظيم  فردريكو غارسيا لوركا الذي قاد خطايا إلى كتابة الشعر.ي

ليال طوال كنت لا يغمض لي جفن فيها وأنا أراود الشعر. لم أكن أملك المال الكافي لشراء دواوين نزار قباني وخليل حاوي وأدونيس وغيرهم، فكان أن تحولت ورّاقا. كل يوم، حال انتهاء الدروس، كنت أسير في أزقة أكلت الرطوبة والزمن كلس جدرانها وأقصد المكتبة العامة لأستعير المجموعات الشعرية وأستنسخها. كان البرد والصقيع والضباب يلفّ مدينة باجة. كنت على يقين من أنني سأصبح شاعرا، والطريق إلى الشعر كربة ووعرة. لكنني لم أصبح شاعرا.ي

تلفتّ إلى الرواية بعد ذلك وكان نجيب محفوظ طريقا ودليلا. غير أنني خذلته عندما اكتشفت أن العالم أرحب. وقعت في دائرة السحر مختارا، فوجدتني مأخوذا بكتابات دستويفسكي وتولستوي وليرمونتوف. وكانت ترجمات سامي الدروبي هي الدليل والطريق المؤدية. ثم تتالت الأسماء والتجارب: هنري باربوس، نيكوس كزانتزاكيس، جون بول سارتر، ألبير كامو، إرنست همنغواي، وليام فوكنر، شتاينباك، هنري ميلر. وكان أن جاءت الفتنة عارمة عاتية مدوخة من أمريكا اللاتينية: غارسيا ماركيز، كارلوس فوانتيس، جورج أمادو  وغيرهم. ازداد يقيني أن هؤلاء المبدعين لم يرحلوا عن الدنيا بل عبروا إلى الجهة الأخرى واختاروا الإقامة في تلك الأرض المتوارية التي لا تدرك إلا بالتوهّم والخيال.ي

الجامعة والطريق إلى النقد

دخلت الجامعة مخفورا بكل هؤلاء المبدعين رفاق الدرب. وكانت خيبة الأمل مريرة قاسية. وتلك حكاية أخرى. كنت أفضّل الجلوس في المقاهي وغيرها على الذهاب إلى المحاضرات (يومها لم يكن حضور الدروس إجباريا).ي

وهناك داخل الجلبة التي كانت تملأ المكان، تلفّتّ إلى الكتب النقدية المستحدَثة في الثقافات الغربية، وتمرّست  بنظرية الشكلانيين الروس ومقرراتهم حول شعرية النصوص وكيفيات تولّد الأدبية، وتملّيت منجزات النظريات الاجتماعية ذات المنحى الماركسي لا سيما عند كل من جورج لوكاتش ولوسيان غولدمان، والنظرية الاجتماعية التجريبية لدى روبير إسكاربيت.ي

وتمثّلت حجم الإضافات التي أنجزتها النظرية البنيوية ونظريات ما بعد البنيوية ولاسيما منجزات رولان بارت ومنجزات نظريات التحليل النفسي للأدب سواء عند فرويد أو كارل غوستاف يونغ أو غاستون باشلار وخبرت مقررات النظرية التفكيكية ومنجزات أهم أعلامها من أمثال جاك دريدا وصولا إلى نظريات جماليات التلقي لا سيما لدى كل من فولفانغ آيزر وروبرت ياوس، وصولا إلى نظرية النقد ما بعد الكولونيالي.ي

أسلافي درعي الواقية من الانبهار

كانت خيبة أملي كبيرة حين رأيت النقد العربي المعاصر يدخل بيت الطاعة ويتوغّل عميقا في دائرة السحر. فلقد امتلكت المفاهيم والمصطلحات التي ابتدعتها تلك المدارس الغربية قوّة جذب مدوّخة أوقعت في حبائلها خطاب الحداثة العربية فانبهر بها أيّما انبهار. وتلك مكائد السير على خطى الآخرين.ا

إن تاريخ المفاهيم والمقولات تاريخ متاهيّ. وهو تاريخ هجرة لا إقامة، تاريخ ترحال وعبور من ثقافة إلى أخرى. وهذا ما يمنح مقولة المثاقفة أهمّيتها وخطورتها. لذلك حين يقع الاكتفاء بترديد المصطلحات وإجرائها إجراء مدرسيّا ولا يتمّ تطويعها وتحويلها، تظلّ تلك المصطلحات ناشزة غريبة وكثيرا ما تحجب من النص المدروس أكثر ممّا تكشف.ا

أسلافي، درعي الواقية هم الذين وقّوني من الانبهار. الجاحظ وقدامة بن جعفر وابن طباطبا، وابن رشيق القيرواني والقاضي الجرجاني وعبد القاهر الجرجاني والفارابي وابن سينا وابن رشد وحازم القرطاجني كانوا رفاق درب طرحوا قدّامي جميع كنوزهم فتحوّل جسدي، تحوّل عقلي إلى ميدان تصارع بين النصوص والنظريات.ا

المغايرة والاتباع

نظرت فرأيت أن الانشغال بالتجديد والمغايرة وتجاوز المنجز الفني للنصوص الإبداعيّة والفكرية العربية القديمة صار يحتل حيّزا هامّا في الدراسات النقدية حتى صار الحديث عن «التجديد» و«الابتداء» و«المغايرة» في عداد المسلّمات والبداهات. غير أن الاحتفاء بالتجديد وإعلاءه وتفخيمه بدءا بالثلاثينات مع التحديث الرومانسي وصولا إلى اليوم يظلّ يثير أكثر من إشكال، سواء في ما يخصّ منجزات حركة التّحديث أو في ما يتعلّق بكيفيّات إجراء القراءة النقدية. لاسيما أن تجديد أسئلة النقد مسألة لا تعني الإحاطة بأسئلة الإبداع فحسب، بقدر ما تخص كيفيّات تجديد لغة النقد نفسها. وتجديد تلك اللغة مشروط، هو الآخر، بمدى قدرة الخطاب النقدي على توليد المفاهيم والمصطلحات التي تحيط بالظاهرة المدروسة وقدرته على تمثّل خبايا ما يستقدمه منها، سواء من نظريّة العرب القدامى في الأدب والشعريّة، أو من المقررات النظريّة المستحدثة في الثقافات الغربيّة.ا

إن القراءة النقدية التي تنشد الإسهام في الإحاطة بأسئلة الأدب العربي لا يمكن أن تقي نفسها من التّبسيط والمغالطة إلا متى تمكّنت من الوقوف عند الأسئلة المركزية التي تولّدت عن حركات التحديث بالنظر في مجمل الأدب العربي القديم والمعاصر. ذلك أن تأصيل الفكر النقدي غاية لا يمكن أن تطال بإعادة إنتاج الأسئلة التي تمكّن المنظّرون العرب القدامى من صياغتها لحظة قراءتهم للنصوص، بل بتمثّلها ومفارقتها.ا

ليس التأصيل مجرّد انشداد إلى النظريّة القديمة، وليس مجرّد إعادة إنتاج لمنجزات السّلف. إنه حركة تنشدّ إلى نظريّة العرب القدامى في الأدب والشعرية لا لتكتفي بها، بل تنشدّ إليها لتفتحها على ممكناتها ومحتملاتها. وهو بحث في الماضي عمّا كان ممكن الحدوث ولم يحدث لمنحه فرصة التحقّق. وما لم يتمكّن المنظّرون العرب القدامى من إرسائه أو من التفكير فيه يمكن الشروع في إنجازه بالنظر في النصوص المعاصرة وفي كيفيّات تعاملها مع قديمها وماضيها. لا سيّما أن النص المعاصر إنما يوهم في الظاهر بأنه يتخطّى القديم ويتجاوزه فيما هو يفتتح مجراه ويتنامى مغتذيا بأسرار قوّة ذلك القديم متفنّنا في استلهام منجزه الفنّي.ا

عودٌ على بدءٍ

الأرض التي حدّثت عنها، الأرض المتوارية عن كل الأبصار واحتمى بها المفكرون والمبدعون من كل الأصقاع والأمصار، تلك الأرض مازالت هشة طرية مشتهاة. وطوبى لقاطنيها، طوبى لمن يحظى بشرف الانتماء إليها. إنها موطن حماة القيم، موطن المنتصرين للكرامة البشرية المنتهكة في كل الأزمان.ا

حرفة الورّاقين

كنت على يقين أن الشعراء الذين فتنت بهم وأنا في المرحلة الإعدادية لم يرحلوا عن الدنيا بل هم يقيمون في أرض متوارية عن الأنظار: امرؤ القيس وعنترة وقيس المفتون بليلى وعمر بن ربيعة وصويحباته وجميل ووضّاح اليمن والمتنبي وغيرهم من الشعراء. احتموا بتلك الأرض المتخفّية المسحورة. والطريق إليها لا تدرك إلا بالتوهّم والخيال. لم أتمكن من أن أعطي الماضي فرصة  كي يمضي؛ أو لم أرغب في ذلك. هذه الأرض المتوارية ستجتذب إليها كل الذين افتتنت بهم من أمثال مصطفى لطفي المنفلوطي وجبران والشابي ونجيب محفوظ وبدر شاكر السياب ومحمود درويش وبودلير ورامبو وماياكوفسكي وت. س. إليوت وبابلو نيرودا والأخوين ماتشادو والغجري العظيم  فردريكو غارسيا لوركا الذي قاد خطايا إلى كتابة الشعر.ي

ليال طوال كنت لا يغمض لي جفن فيها وأنا أراود الشعر. لم أكن أملك المال الكافي لشراء دواوين نزار قباني وخليل حاوي وأدونيس وغيرهم، فكان أن تحولت ورّاقا. كل يوم، حال انتهاء الدروس، كنت أسير في أزقة أكلت الرطوبة والزمن كلس جدرانها وأقصد المكتبة العامة لأستعير المجموعات الشعرية وأستنسخها. كان البرد والصقيع والضباب يلفّ مدينة باجة. كنت على يقين من أنني سأصبح شاعرا، والطريق إلى الشعر كربة ووعرة. لكنني لم أصبح شاعرا.ي

تلفتّ إلى الرواية بعد ذلك وكان نجيب محفوظ طريقا ودليلا. غير أنني خذلته عندما اكتشفت أن العالم أرحب. وقعت في دائرة السحر مختارا، فوجدتني مأخوذا بكتابات دستويفسكي وتولستوي وليرمونتوف. وكانت ترجمات سامي الدروبي هي الدليل والطريق المؤدية. ثم تتالت الأسماء والتجارب: هنري باربوس، نيكوس كزانتزاكيس، جون بول سارتر، ألبير كامو، إرنست همنغواي، وليام فوكنر، شتاينباك، هنري ميلر. وكان أن جاءت الفتنة عارمة عاتية مدوخة من أمريكا اللاتينية: غارسيا ماركيز، كارلوس فوانتيس، جورج أمادو  وغيرهم. ازداد يقيني أن هؤلاء المبدعين لم يرحلوا عن الدنيا بل عبروا إلى الجهة الأخرى واختاروا الإقامة في تلك الأرض المتوارية التي لا تدرك إلا بالتوهّم والخيال.ي

الجامعة والطريق إلى النقد

دخلت الجامعة مخفورا بكل هؤلاء المبدعين رفاق الدرب. وكانت خيبة الأمل مريرة قاسية. وتلك حكاية أخرى. كنت أفضّل الجلوس في المقاهي وغيرها على الذهاب إلى المحاضرات (يومها لم يكن حضور الدروس إجباريا).ي

وهناك داخل الجلبة التي كانت تملأ المكان، تلفّتّ إلى الكتب النقدية المستحدَثة في الثقافات الغربية، وتمرّست  بنظرية الشكلانيين الروس ومقرراتهم حول شعرية النصوص وكيفيات تولّد الأدبية، وتملّيت منجزات النظريات الاجتماعية ذات المنحى الماركسي لا سيما عند كل من جورج لوكاتش ولوسيان غولدمان، والنظرية الاجتماعية التجريبية لدى روبير إسكاربيت.ي

وتمثّلت حجم الإضافات التي أنجزتها النظرية البنيوية ونظريات ما بعد البنيوية ولاسيما منجزات رولان بارت ومنجزات نظريات التحليل النفسي للأدب سواء عند فرويد أو كارل غوستاف يونغ أو غاستون باشلار وخبرت مقررات النظرية التفكيكية ومنجزات أهم أعلامها من أمثال جاك دريدا وصولا إلى نظريات جماليات التلقي لا سيما لدى كل من فولفانغ آيزر وروبرت ياوس، وصولا إلى نظرية النقد ما بعد الكولونيالي.ي

أسلافي درعي الواقية من الانبهار

كانت خيبة أملي كبيرة حين رأيت النقد العربي المعاصر يدخل بيت الطاعة ويتوغّل عميقا في دائرة السحر. فلقد امتلكت المفاهيم والمصطلحات التي ابتدعتها تلك المدارس الغربية قوّة جذب مدوّخة أوقعت في حبائلها خطاب الحداثة العربية فانبهر بها أيّما انبهار. وتلك مكائد السير على خطى الآخرين.ا

إن تاريخ المفاهيم والمقولات تاريخ متاهيّ. وهو تاريخ هجرة لا إقامة، تاريخ ترحال وعبور من ثقافة إلى أخرى. وهذا ما يمنح مقولة المثاقفة أهمّيتها وخطورتها. لذلك حين يقع الاكتفاء بترديد المصطلحات وإجرائها إجراء مدرسيّا ولا يتمّ تطويعها وتحويلها، تظلّ تلك المصطلحات ناشزة غريبة وكثيرا ما تحجب من النص المدروس أكثر ممّا تكشف.ا

أسلافي، درعي الواقية هم الذين وقّوني من الانبهار. الجاحظ وقدامة بن جعفر وابن طباطبا، وابن رشيق القيرواني والقاضي الجرجاني وعبد القاهر الجرجاني والفارابي وابن سينا وابن رشد وحازم القرطاجني كانوا رفاق درب طرحوا قدّامي جميع كنوزهم فتحوّل جسدي، تحوّل عقلي إلى ميدان تصارع بين النصوص والنظريات.ا

المغايرة والاتباع

نظرت فرأيت أن الانشغال بالتجديد والمغايرة وتجاوز المنجز الفني للنصوص الإبداعيّة والفكرية العربية القديمة صار يحتل حيّزا هامّا في الدراسات النقدية حتى صار الحديث عن «التجديد» و«الابتداء» و«المغايرة» في عداد المسلّمات والبداهات. غير أن الاحتفاء بالتجديد وإعلاءه وتفخيمه بدءا بالثلاثينات مع التحديث الرومانسي وصولا إلى اليوم يظلّ يثير أكثر من إشكال، سواء في ما يخصّ منجزات حركة التّحديث أو في ما يتعلّق بكيفيّات إجراء القراءة النقدية. لاسيما أن تجديد أسئلة النقد مسألة لا تعني الإحاطة بأسئلة الإبداع فحسب، بقدر ما تخص كيفيّات تجديد لغة النقد نفسها. وتجديد تلك اللغة مشروط، هو الآخر، بمدى قدرة الخطاب النقدي على توليد المفاهيم والمصطلحات التي تحيط بالظاهرة المدروسة وقدرته على تمثّل خبايا ما يستقدمه منها، سواء من نظريّة العرب القدامى في الأدب والشعريّة، أو من المقررات النظريّة المستحدثة في الثقافات الغربيّة.ا

إن القراءة النقدية التي تنشد الإسهام في الإحاطة بأسئلة الأدب العربي لا يمكن أن تقي نفسها من التّبسيط والمغالطة إلا متى تمكّنت من الوقوف عند الأسئلة المركزية التي تولّدت عن حركات التحديث بالنظر في مجمل الأدب العربي القديم والمعاصر. ذلك أن تأصيل الفكر النقدي غاية لا يمكن أن تطال بإعادة إنتاج الأسئلة التي تمكّن المنظّرون العرب القدامى من صياغتها لحظة قراءتهم للنصوص، بل بتمثّلها ومفارقتها.ا

ليس التأصيل مجرّد انشداد إلى النظريّة القديمة، وليس مجرّد إعادة إنتاج لمنجزات السّلف. إنه حركة تنشدّ إلى نظريّة العرب القدامى في الأدب والشعرية لا لتكتفي بها، بل تنشدّ إليها لتفتحها على ممكناتها ومحتملاتها. وهو بحث في الماضي عمّا كان ممكن الحدوث ولم يحدث لمنحه فرصة التحقّق. وما لم يتمكّن المنظّرون العرب القدامى من إرسائه أو من التفكير فيه يمكن الشروع في إنجازه بالنظر في النصوص المعاصرة وفي كيفيّات تعاملها مع قديمها وماضيها. لا سيّما أن النص المعاصر إنما يوهم في الظاهر بأنه يتخطّى القديم ويتجاوزه فيما هو يفتتح مجراه ويتنامى مغتذيا بأسرار قوّة ذلك القديم متفنّنا في استلهام منجزه الفنّي.ا

عودٌ على بدءٍ

الأرض التي حدّثت عنها، الأرض المتوارية عن كل الأبصار واحتمى بها المفكرون والمبدعون من كل الأصقاع والأمصار، تلك الأرض مازالت هشة طرية مشتهاة. وطوبى لقاطنيها، طوبى لمن يحظى بشرف الانتماء إليها. إنها موطن حماة القيم، موطن المنتصرين للكرامة البشرية المنتهكة في كل الأزمان.ا

حرفة الورّاقين

كنت على يقين أن الشعراء الذين فتنت بهم وأنا في المرحلة الإعدادية لم يرحلوا عن الدنيا بل هم يقيمون في أرض متوارية عن الأنظار: امرؤ القيس وعنترة وقيس المفتون بليلى وعمر بن ربيعة وصويحباته وجميل ووضّاح اليمن والمتنبي وغيرهم من الشعراء. احتموا بتلك الأرض المتخفّية المسحورة. والطريق إليها لا تدرك إلا بالتوهّم والخيال. لم أتمكن من أن أعطي الماضي فرصة  كي يمضي؛ أو لم أرغب في ذلك. هذه الأرض المتوارية ستجتذب إليها كل الذين افتتنت بهم من أمثال مصطفى لطفي المنفلوطي وجبران والشابي ونجيب محفوظ وبدر شاكر السياب ومحمود درويش وبودلير ورامبو وماياكوفسكي وت. س. إليوت وبابلو نيرودا والأخوين ماتشادو والغجري العظيم  فردريكو غارسيا لوركا الذي قاد خطايا إلى كتابة الشعر.ي

ليال طوال كنت لا يغمض لي جفن فيها وأنا أراود الشعر. لم أكن أملك المال الكافي لشراء دواوين نزار قباني وخليل حاوي وأدونيس وغيرهم، فكان أن تحولت ورّاقا. كل يوم، حال انتهاء الدروس، كنت أسير في أزقة أكلت الرطوبة والزمن كلس جدرانها وأقصد المكتبة العامة لأستعير المجموعات الشعرية وأستنسخها. كان البرد والصقيع والضباب يلفّ مدينة باجة. كنت على يقين من أنني سأصبح شاعرا، والطريق إلى الشعر كربة ووعرة. لكنني لم أصبح شاعرا.ي

تلفتّ إلى الرواية بعد ذلك وكان نجيب محفوظ طريقا ودليلا. غير أنني خذلته عندما اكتشفت أن العالم أرحب. وقعت في دائرة السحر مختارا، فوجدتني مأخوذا بكتابات دستويفسكي وتولستوي وليرمونتوف. وكانت ترجمات سامي الدروبي هي الدليل والطريق المؤدية. ثم تتالت الأسماء والتجارب: هنري باربوس، نيكوس كزانتزاكيس، جون بول سارتر، ألبير كامو، إرنست همنغواي، وليام فوكنر، شتاينباك، هنري ميلر. وكان أن جاءت الفتنة عارمة عاتية مدوخة من أمريكا اللاتينية: غارسيا ماركيز، كارلوس فوانتيس، جورج أمادو  وغيرهم. ازداد يقيني أن هؤلاء المبدعين لم يرحلوا عن الدنيا بل عبروا إلى الجهة الأخرى واختاروا الإقامة في تلك الأرض المتوارية التي لا تدرك إلا بالتوهّم والخيال.ي

الجامعة والطريق إلى النقد

دخلت الجامعة مخفورا بكل هؤلاء المبدعين رفاق الدرب. وكانت خيبة الأمل مريرة قاسية. وتلك حكاية أخرى. كنت أفضّل الجلوس في المقاهي وغيرها على الذهاب إلى المحاضرات (يومها لم يكن حضور الدروس إجباريا).ي

وهناك داخل الجلبة التي كانت تملأ المكان، تلفّتّ إلى الكتب النقدية المستحدَثة في الثقافات الغربية، وتمرّست  بنظرية الشكلانيين الروس ومقرراتهم حول شعرية النصوص وكيفيات تولّد الأدبية، وتملّيت منجزات النظريات الاجتماعية ذات المنحى الماركسي لا سيما عند كل من جورج لوكاتش ولوسيان غولدمان، والنظرية الاجتماعية التجريبية لدى روبير إسكاربيت.ي

وتمثّلت حجم الإضافات التي أنجزتها النظرية البنيوية ونظريات ما بعد البنيوية ولاسيما منجزات رولان بارت ومنجزات نظريات التحليل النفسي للأدب سواء عند فرويد أو كارل غوستاف يونغ أو غاستون باشلار وخبرت مقررات النظرية التفكيكية ومنجزات أهم أعلامها من أمثال جاك دريدا وصولا إلى نظريات جماليات التلقي لا سيما لدى كل من فولفانغ آيزر وروبرت ياوس، وصولا إلى نظرية النقد ما بعد الكولونيالي.ي

أسلافي درعي الواقية من الانبهار

كانت خيبة أملي كبيرة حين رأيت النقد العربي المعاصر يدخل بيت الطاعة ويتوغّل عميقا في دائرة السحر. فلقد امتلكت المفاهيم والمصطلحات التي ابتدعتها تلك المدارس الغربية قوّة جذب مدوّخة أوقعت في حبائلها خطاب الحداثة العربية فانبهر بها أيّما انبهار. وتلك مكائد السير على خطى الآخرين.ا

إن تاريخ المفاهيم والمقولات تاريخ متاهيّ. وهو تاريخ هجرة لا إقامة، تاريخ ترحال وعبور من ثقافة إلى أخرى. وهذا ما يمنح مقولة المثاقفة أهمّيتها وخطورتها. لذلك حين يقع الاكتفاء بترديد المصطلحات وإجرائها إجراء مدرسيّا ولا يتمّ تطويعها وتحويلها، تظلّ تلك المصطلحات ناشزة غريبة وكثيرا ما تحجب من النص المدروس أكثر ممّا تكشف.ا

أسلافي، درعي الواقية هم الذين وقّوني من الانبهار. الجاحظ وقدامة بن جعفر وابن طباطبا، وابن رشيق القيرواني والقاضي الجرجاني وعبد القاهر الجرجاني والفارابي وابن سينا وابن رشد وحازم القرطاجني كانوا رفاق درب طرحوا قدّامي جميع كنوزهم فتحوّل جسدي، تحوّل عقلي إلى ميدان تصارع بين النصوص والنظريات.ا

المغايرة والاتباع

نظرت فرأيت أن الانشغال بالتجديد والمغايرة وتجاوز المنجز الفني للنصوص الإبداعيّة والفكرية العربية القديمة صار يحتل حيّزا هامّا في الدراسات النقدية حتى صار الحديث عن «التجديد» و«الابتداء» و«المغايرة» في عداد المسلّمات والبداهات. غير أن الاحتفاء بالتجديد وإعلاءه وتفخيمه بدءا بالثلاثينات مع التحديث الرومانسي وصولا إلى اليوم يظلّ يثير أكثر من إشكال، سواء في ما يخصّ منجزات حركة التّحديث أو في ما يتعلّق بكيفيّات إجراء القراءة النقدية. لاسيما أن تجديد أسئلة النقد مسألة لا تعني الإحاطة بأسئلة الإبداع فحسب، بقدر ما تخص كيفيّات تجديد لغة النقد نفسها. وتجديد تلك اللغة مشروط، هو الآخر، بمدى قدرة الخطاب النقدي على توليد المفاهيم والمصطلحات التي تحيط بالظاهرة المدروسة وقدرته على تمثّل خبايا ما يستقدمه منها، سواء من نظريّة العرب القدامى في الأدب والشعريّة، أو من المقررات النظريّة المستحدثة في الثقافات الغربيّة.ا

إن القراءة النقدية التي تنشد الإسهام في الإحاطة بأسئلة الأدب العربي لا يمكن أن تقي نفسها من التّبسيط والمغالطة إلا متى تمكّنت من الوقوف عند الأسئلة المركزية التي تولّدت عن حركات التحديث بالنظر في مجمل الأدب العربي القديم والمعاصر. ذلك أن تأصيل الفكر النقدي غاية لا يمكن أن تطال بإعادة إنتاج الأسئلة التي تمكّن المنظّرون العرب القدامى من صياغتها لحظة قراءتهم للنصوص، بل بتمثّلها ومفارقتها.ا

ليس التأصيل مجرّد انشداد إلى النظريّة القديمة، وليس مجرّد إعادة إنتاج لمنجزات السّلف. إنه حركة تنشدّ إلى نظريّة العرب القدامى في الأدب والشعرية لا لتكتفي بها، بل تنشدّ إليها لتفتحها على ممكناتها ومحتملاتها. وهو بحث في الماضي عمّا كان ممكن الحدوث ولم يحدث لمنحه فرصة التحقّق. وما لم يتمكّن المنظّرون العرب القدامى من إرسائه أو من التفكير فيه يمكن الشروع في إنجازه بالنظر في النصوص المعاصرة وفي كيفيّات تعاملها مع قديمها وماضيها. لا سيّما أن النص المعاصر إنما يوهم في الظاهر بأنه يتخطّى القديم ويتجاوزه فيما هو يفتتح مجراه ويتنامى مغتذيا بأسرار قوّة ذلك القديم متفنّنا في استلهام منجزه الفنّي.ا

عودٌ على بدءٍ

الأرض التي حدّثت عنها، الأرض المتوارية عن كل الأبصار واحتمى بها المفكرون والمبدعون من كل الأصقاع والأمصار، تلك الأرض مازالت هشة طرية مشتهاة. وطوبى لقاطنيها، طوبى لمن يحظى بشرف الانتماء إليها. إنها موطن حماة القيم، موطن المنتصرين للكرامة البشرية المنتهكة في كل الأزمان.ا